إن المحور الأساسي في كل دين هو الإيمان بجملة من الغيبيات تترتب عليه لوازم سلوكية قد تتسع أو تضيق من دين إلى آخر ولكن لا يخلو منها دين على الإطلاق؛ ولذلك فإن الحرية الدينية تبتدئ بحرية المعتقد وتمتدّ إلى سائر لوازمه السلوكية، وهي من أهمّ ما ينضوي تحت الحرية من العناصر باعتبار أنّ المعتقد هو أسمى ما يتشوّف إليه الإنسان من القيم، حتى إنه ليبلغ به الأمر في ذلك إلى أن يضحي بحياته وهي أغلى ما يملك في سبيل معتقده.  والمقصود بالاعتقاد هو الإيمان بجملة من المفاهيم والأفكار على أنّها حقّ أو هي الحقّ، وبخاصّة منها تلك التي تفسّر الوجود والكون والحياة، ويتشعّب منها كلّ ما يتعلّق بشؤون الإنسان الفردية والجماعية. وقد ينطبق هذا المعنى بدلالة أعمق على ما يتعلّق من هذه المفاهيم والأفكار بما هو مصبوغ بصبغة دينية غيبية، إذ الإيمان بها يكون في الغالب أحكم في النفوس وأقوى تأثيرا عليها، وقد يلحق به ما هو مصبوغ بصبغة فلسفية، إذ هو يكون أيضا على قدر من اليقينية والرسوخ.

وحرّية الاعتقاد تعني حرّية الاختيار في أن يتبنّى الإنسان من المفاهيم والأفكار ما ينتهي إليه بالتفكير أو ما يصل إليه بأيّ وسيلة أخرى من وسائل البلاغ، فتصبح معتقدات له، يؤمن بها على أنّها هي الحقّ، ويكيّف حياتها النظرية والسلوكية وفقها، دون أن يتعرّض بسبب ذلك للاضطهاد أو التمييز أو التحقير، ودون أن يُكره بأيّ طريقة من طرق الإكراه على ترك معتقداته، أو تبنّي معتقدات أخرى مخالفة لها.

  ومعلوم أنّ الإيمان بالأفكار ومنها المعتقدات هو من حيث ذاته لا يمكن أن يرد عليه قيد، فالحرية فيه حاصلة على وجه البداهة، إلا أنّ الطريق التي يحصل منها الإيمان بالأفكار هي التي يمكن أن يطالها القهر بالحجر على بعض المسالك والتوجيه إلى أخرى بطرق مختلفة من الحجر والتوجيه بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، مثل ما كان يفعل فرعون بأتباعه حينما كان يقول لهم ((مَا أُرِيكُمْ إلاْ مَا أَرَى ))(1)، فتكون حرية المعتقد إذن مبتدئة من أن يُخلّى بين عقل الإنسان وبين المعطيات الموضوعية للموضوع المفكَّر فيه في غير إلجاء إلى بعضها دون بعض بأيّ وجه من وجوه الإلجاء.

___________________

(1)  غافر/29.