هَلْ الخُطَبَاءُ مُقَصِّرُونَ فِي أَدَاءِ مُهِمَّتِهِمْ؟

 بَاقِرٌ/ العِرَاقُ :/السَّلَامُ عَلَيْكُمْ سَادَتِي الفُضَلَاءَ فِي الرَّصْدِ العَقَائِدِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.  هَلْ خُطَبَاءُ المِنْبَرِ الْحُسَيْنِيِّ هُمْ عُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ؟ حَيْثُ يَعْتَقِدُ أَبْنَاءُ العَامَّةِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ عِنْدَمَا يَنْشُرُونَ بَعْضَ مَقَاطِعِ خُطَبِهِمْ عَلَى اليُوتْيُوبِ وَيَكْتُبُونَ عَلَيْهَا تَحْتَ عُنْوَانِ: "هَؤُلَاءِ هُمْ عُلَمَاءُ الشِّيعَةِ الرَّافِضَةِ" لِكَوْنِهَا تَشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ الخُرَافَاتِ وَالأَسَاطِيرِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورٍ، وَتُلْقَى عَبْرَ قَنَوَاتٍ فَضَائِيَّةٍ وَعَلَى مَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنْ العَالَمِ وَكَأَنَّهَا مِنْ المُسَلَّمَاتِ، وَهَذَا مِمَّا عَادَ عَلَى مَدْرَسَةِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمْ السَّلَامُ) بِالوَبَالِ. أَرْجُو الرَّدَّ وَالجَوَابَ بِتَجَرُّدٍ وَمَوْضُوعِيَّةٍ؟ وَشُكْرًا لِجُهُودِكُمْ المَشْهُودَةِ.

: اللجنة العلمية

الجواب:

     الأَخُ بَاقِرٌ المُحْتَرَمُ.. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

الخِطَابَةُ هِيَ فَنٌّ رَاقٍ جِدًّا، وَهِيَ زِينَةُ الأَنْبِيَاءِ وَالأَئِمَّةِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللهِ وَالصِّرَاطِ القَوِيمِ، فَمِنْ كَلِمَاتِهِمْ وَمَنَابِرِهِمْ كَانَ يَنْهَلُ النَّاسُ عُلُومَ الدِّينِ وَأُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وَتُعْرَفُ الخِطَابَةُ فِي الإِخْتِصَاصِ بِأَنَّهَا فَنُّ الإِقْنَاعِ، أَيْ عَلَى المُتَكَلِّمِ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ وَتَنَاوَلَ مَوْضُوعًا مَا أَنْ يُقْنِعَ مُخَاطِبِيهِ بِمَا يُرِيدُ إِثْبَاتَهُ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الإِقْنَاعُ فَهُوَ خَطِيبٌ فَاشِلٌ.

 وَهَذِهِ المُهِمَّةُ عَلَى مُسْتَوَى المِنْبَرِ الْحُسَينِيِّ كَانَ قَدْ نَجَحَ فِيهَا نَجَاحًا بَاهِرًا الدُّكْتُورُ المَرْحُومُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الوَائِلِيُّ (عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ)، فَقَدْ كَانَ يُجِيدُ مُهِمَّتَهُ بِشَكْلٍ مُلْفِتٍ لِلنَّظَرِ، وَيَسْتَعْمِلُ الأَدَوَاتِ المَعْرِفِيَّةَ مِنْ الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ، وَالحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَالمَأْثُورِ التَّارِيخِيِّ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَالتَّفَاسِيرِ المُتَنَوِّعَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الفَرِيقَيْنِ، وَالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ بِلُغَةٍ مُيَسَّرَةٍ، وَالمَوْعَظَةِ الرَّاقِيَةِ البَعِيدَةِ عَنْ الإِسْفَافِ وَاللُّغَةِ الدَّارِجَةِ، وَيَرْبُطُ كُلَّ ذَلِكَ بِصَاحِبِ الذِّكْرَى أَوْ المُنَاسَبَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا وَيُعْطِي لِلجَانِبِ العَاطِفِيِّ مِنْ الحُزْنِ وَالبُكَاءِ خَمْسَ دَقَائِقَ فَقَطْ مِنْ خُطْبَتِهِ الَّتِي تَسْتَغْرِقُ غَالِبًا خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ دَقِيقَةً، يُسَخِّرُهَا كُلَّهَا فِي إِثْرَاءِ الجَانِبِ الفِكْرِيِّ وَالذِّهْنِيِّ لِمُسْتَمِعِيهِ.. فَمَاذَا نَجِدُ عِنْدَ خُطَبَائِنَا اليَوْمَ؟!!

     لِلأَسَفِ الشَّدِيدِ نَجِدُ عِنْدَهُم - إِلَّا القَلِيلَ مِنْهُمْ - الإِهْتِمَامَ بِاسْتِدْرَارِ العَوَاطِفِ فَقَط، وَقَضَاءَ وَقْتِ الخُطْبَةِ بِالقَصَصِ وَالحِكَايَاتِ الدَّارِجَةِ، وَالإِسْتِشْهَادَ بِالرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةِ وَالمَنَامَاتِ، وَعَدَمَ الإِجَادَةِ فِي بَيَانِ أَيِّ مَوْضُوعٍ عَقَائِدِيٍّ خِلَافِيٍّ بِلُغَةٍ عِلْمِيَّةٍ رَصِينَةٍ، وَكَأَنَّهُمَ بَعِيدُونَ عَنْ مَوَاقِعِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَلَا يُدْرِكُونَ أَنَّ التَّطَرُّقَ لِلمَسَائِلِ العَقَائِدِيَّةِ، خَاصَّةً وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِي فَضَائِيَّاتٍ يُشَاهِدُهَا المَلَايِينُ مِنْ النَّاسِ، مُخَالِفِينَ وَغَيْرِهِمْ، يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانَاتٍ رَصِينَةٍ مِنْ الأَدِلَّةِ الَّتِي تُقْنِعُ المُؤَالِفَ وَالمُخَالِفَ مَعًا.

 وَمِنْ هُنَا نَدْعُوهُمْ بِإِخْلَاصٍ أَنْ يَكُونُوا زَيْنًا لِلمِنْبَرِ الْحُسَيْنِيِّ وَلَا يَكُونُوا وَبَالًا عَلَيْهِ، وَيُتْعِبُوا أَنْفُسَهُمْ بِالدَّرْسِ وَالتَّحْصِيلِ العِلْمِيِّ قَبْلَ الصُّعُودِ إِلَى هَذِهِ الأَعْوَادِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي عَمَدَهَا الحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِدِمَائِهِ الزَّكِيَّةِ فَكَانَتْ مَشَاعِلَ نُورٍ أَيْنَمَا حَلَّتْ فِي أَقْطَابِ الأَرْضِ كُلِّهَا.

  وَدُمْتُمْ سَالِمِينَ.