ما معنى هذهِ الكلماتِ مِن كلمةٍ للإمامِ الحُجّةِ (عج) أنتياشكم ، وأنافت، وحم أجله وأزوف، ومعنى مبلي السّرائر؟

: - اللجنة العلمية

السّلامُ عليكُم ورحمة الله وبركاته،  

وردَت هذهِ العباراتُ في الرسالةِ الصادرةِ عَن الناحيةِ المُقدّسةِ إلى وجهِ الطائفةِ في زمانِه الشيخِ أبي عبدِ اللهِ محمّدٍ بنِ محمّدٍ بنِ النّعمانِ التلعكبريّ، المعروفِ بالشيخِ المُفيد (قدّس سرّه).. تبدأ الرسالةُ ـ كما في كتابِ [الاحتجاج ج2 ص318] ـ بعبارةِ: « للأخِ السديدِ، والوليّ الرشيدِ، الشيخِ المُفيد، أبي عبدِ اللهِ محمّدٍ بنِ محمّدٍ بنِ النعمان أدامَ اللهُ إعزازَه، مِن مستودعِ العهدِ المأخوذِ على العباد »، وممّا جاءَ فيها: « إنّا غيرُ مُهملينَ لمُراعاتكم، ولا ناسينَ لذكرِكم، ولولا ذلكَ لنزلَ بكُم اللأواءُ واصطلمَكم الأعداءُ، فاتّقوا اللهَ جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشِكم مِن فتنةٍ قد أنافَت عليكم، يهلكُ فيها مَن حمَّ أجله، ويحمى عنها مَن أدركَ أمله، وهيَ أمارةٌ لأزوفِ حركتنا، ومباثتِكم بأمرِنا ونهينا، واللهُ متمٌّ نوره ولو كرهَ المُشركون ».  

ومعنى هذهِ العبارات: أنّ الإمامَ (عليهِ السلام) يعتني بشيعتِه بمُختلفِ الأساليب، ويدفعُ عنهم الأخطارَ الجسيمةَ بشتّى الوسائلِ، ولولا هذهِ العنايةِ الخاصّةِ لكانَ حالُ الشيعةِ في شدّةٍ شديدةٍ بل لكانَ أمرُهم إلى الفناءِ والزوال؛ لاجتماعِ أهلِ الباطلِ على مُباينةِ أهلِ الحقّ وإصرارِهم على إبادتِهم ومحوِهم وطمسِ أمرِهم، ثمَّ يطلبُ الإمامُ (عليهِ السّلام) منَ الشيعة التعاونَ والنُصرةَ ليكونوا مُهيّئينَ لإخراجِهم منَ الفتنةِ القريبةِ التي تكونُ قُبيلَ الظهورِ الشريف.   

قولهُ: « إنّا غيرُ مُهملينَ لمُراعاتِكم » أي إنّا غيرُ تاركينَ لحفظِكم، وقيلَ: أنَّ الإهمالَ يفترقُ عن التركِ بأنّه لا يكونُ إلّا عن قصدٍ بينَما التركُ أعمُّ وأشمل، فيكونُ المعنى: إنّنا إذا لم نرعَكم فالإهمالُ مِن جانبِكم وليسَ مِن جانبِنا، « ولا ناسينَ لذكرِكم » أي غيرُ مُغفِلينَ لذكركم أو تاركينَ لذكرِكم، فالإمامُ (عليهِ السّلام) ينفي الإهمالَ والنسيانَ بشكلٍ مُطلقٍ، ممّا يعني أنّهُ يُراعي الجميعَ ويذكرُهم دائماً وفي كلِّ مكان.   

وقوله: « ولولا ذلكَ لنزلَ بكم اللأواءُ واصطلمَكم الأعداء » أي ولولا حفظِنا وحراستِنا لكُم والذبِّ عنكم لنزلَت بكُم الشدّائدُ والمحن، ولاستأصلكم الأعداءُ وأبادوكم.   

قوله: « فاتّقوا اللهَ جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشِكم من فتنةٍ قد أنافَت عليكم » أي عاونونا وناصِرونا ـ بإيجادِ القابليّةِ والاستعدادِ فيكم ـ لإنقاذِكم وتناولِكم مِن فتنةٍ قد ارتفعَت وأشرفَت عليكم، ويفيدُ ذلكَ إمّا شدّةَ الفتنةِ وصعوبةَ التغلّبِ عليها والنجاةِ منها أو اقترابِها ودنوّها « يهلكُ فيها مَن حمَّ أجله » أي يسقطُ في تلكَ الفتنةِ ويموتُ كلُّ شخصٍ قربَ أجلُه وحضرَت ساعةُ وفاتِه « ويحمى عنها مَن أدركَ أملَه » أي يُدفعُ عَن الفتنةِ ويُحمى عنها كلُّ شخصٍ بلغَ أمله.   

قوله: « وهيَ أمارةٌ لأزوفِ حركتِنا » أي أنّ هذه الفتنةَ علامةٌ لاقترابِ حركتِنا، يعني أنّها مِن علاماتِ الظهورِ المُقدّس، « ومباثتكُم بأمرِنا ونهينا » أي علامةٌ لإعلانِ الأوامرِ والنواهي الإلهيّةِ ونشرِها وإظهارِها بين الناس؛ إذ أنّه عندَ الظهورِ ترتفعُ التقيّةُ ويُعلنُ الحقُّ ويُجهرُ به.. فالمعنى: أنّ تلكَ الفتنةَ الشديدةَ هيَ علامةٌ للظهورِ المُقدّسِ ولارتفاعِ حُكم التقيّة « واللهُ متمُّ نورِه ولو كرهَ المشركون ».   

  

وأمّا « مبليُّ السّرائرِ » فيعني مُظهِرِ الخفايا والأسرار.. وردَ في [دلائلِ الإمامة ص502، والهدايةِ الكُبرى ص328] ضمنَ ألقابِ مولانا الحُجّة (عجّل اللهُ فرجَه الشريف): « .. ومُظهرُ الفضائحِ، ومبليُّ السّرائر.. »، ويبدو أنّ معناهما واحد..   

قالَ الشيخُ الحائريّ في [إلزامِ النّاصبِ ج1 ص432] عندَ شرحِ هذا اللقب: « لأنّه يحكمُ بالواقعِ، والسرائرُ عندَه ظاهرةٌ حتّى أنّ الرّجلَ قائمٌ ويفعلُ ويحكمُ ويأمرُ، فيأمرُ بقتلِه »، ويلاحظُ ما أوردَه الميرزا النوريّ في [النجمِ الثاقب ج1 ص241].  

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين