هل هناكَ روايةٌ للرّسولِ (ص) يذكرُ فيها أسماءَ أهلِ البيتِ؟ وإذا كانَت هناكَ روايةٌ تذكرُ أسماءهم لماذا ذهبَت بعضُ الفرقِ الشيعيّةِ إلى إمامةِ زيدٍ بنِ عليّ وإسماعيلَ بنِ الإمامِ الصّادقِ (ع) ، وغيرهم ؟ 

: سيد حسن العلوي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :  

سنجيبُ عَن هذا السّؤالِ على شكلِ نقاطٍ حتّى تتوضّحَ الإجابةُ بشكلٍ جيّد : 

النّقطةُ الأولى : إنّ الرّواياتِ في إمامةِ الأئمّةِ الإثني عشرَ متواترةٌ عنِ النّبيّ (ص) في تراثِ المُسلمينَ، وهيَ على طوائفَ مُتعدّدةٍ نذكرُ بعضَها : 

الطّائفةُ الأولى : ما وردَ في ذكرِ العددِ من دونِ التّصريحِ بالأسماءِ، مثلَ: سَيَلي هذا الأمرَ مِن بعدي إثنا عشرَ إماماً أو خليفةً أو أميراً ، كلّهم مِن قريشٍ . وفي بعضِ طرقِها : كعددِ نقباءِ بني إسرائيلَ ، والتي وردَت في مصادرِ أبناءِ العامّةِ أيضاً. 

وهذهِ الطّائفةُ منَ الرّواياتِ المشهورةِ جدّاً مقطوعةُ الصّدور عَن رسولِ اللهِ (ص)، ومنتشرةٌ في كتبِ التّراثِ الإسلاميّ بحيثُ نرى أنّ جميعَ طبقاتِ المسلمينَ مِن زمنِ الصّحابةِ إلى زمانِنا رَووا هذا المضمون.  

ولا يبعدُ تواترُ هذهِ الطّائفةِ منَ الأخبار.  

والسّؤالُ الذي يتبادرُ إلى الأذهانِ : إذا كانَ النّبيُّ (ص) قد أخبرَ أمّتَه أنّ خلفاءَه إلى يومِ القيامةِ إثنا عشرَ خليفةً ، فهَل يُعقلُ أن لا يذكرَ أسماءَهم ولو على نطاق ضيّقٍ ولبعضِ أصحابه؟!  

الطّائفةُ الثّانية : ما وردَ أنَّ الأئمّةَ مِن بعدِه إثنا عشرَ إماماً ، معَ تعيينِ الأسماءِ بالتّفصيلِ مِن أميرِ المؤمنينَ (ع) إلى الحُجّةِ بنِ الحسنِ المهدي (ع)، واحداً تلوَ الآخر.  

وهذهِ الطّائفةُ منَ الأخبارِ متواترةٌ في كتبِ الشّيعةِ الإماميّةِ، فقد رواها الجمُّ الغفيرُ مِن أصحابِ النّبيّ (ص)، وبمراجعةٍ سريعةٍ لكتابِ كفايةِ الأثرِ للخزّارِ القُمّيّ، ومقتضبِ الأثرِ للعيّاشي، وكتابِ منتخبِ الأثرِ للصّافي، وجامعِ الأثرِ، تعلمُ صدقَ ذلك . 

الطّائفةُ الثّالثة : الأئمّةُ بعدي إثنا عشرَ، تسعةٌ مِن صُلبِ الحُسينِ، والتّاسعُ مهديُّهم.  

الطّائفةُ الرّابعة : قولُ النّبيّ (ص) للحُسينِ (ع) : أنتَ الإمامُ إبنُ الإمامِ وأخو الإمامِ، تسعةٌ مِن صُلبكَ أئمّةٌ أبرار، والتّاسعُ قائمُهم.  

الطّائفةُ الخامسة : الأئمّةُ بعدي إثنا عشرَ أوّلُهم عليّ وآخرُهم المهدي. 

وغيرها منَ الطّوائفِ الكثيرة. 

إذن : رواياتُ النّصوصِ على الأئمّةِ الإثني عشرَ على طوائف :  

منها مفصّلةٌ وفيها تحديدٌ للعددِ والأسماءِ ، وقسمٌ منها فيها تحديدٌ للعددِ ، وقسمٌ مِنها تحديدٌ للعددِ وبعض الأسماءِ ، وقسمٌ مِنها جاءَ فيها ذكرُ العددِ ، والتّصريحُ باسمِ الأوّلِ والأخيرِ، وهكذا ، فهيَ على طوائف.  

 

النّقطةُ الثّانيةُ : ليسَ مِن شرطِ التّواترِ إشتهارُ الخبرِ بحيثُ تعلمُ بهِ جميعُ الأمّةِ، أو جميعُ الشّيعةِ فرداً فرداً، وإنّما يكفي علمُ جماعةٍ يمتنعُ تواطؤهم على الكذبِ، حتّى ولو كانوا ثلاثينَ أو أربعينَ شخصاً، في كلِّ طبقةٍ، يتحقّقُ بهم التّواتر. 

وهذا أمرٌ مهمٌّ لا بدَّ مِن فهمِه وإدراكِه، فلو إشترَطنا علمَ جميعِ الأمّةِ أو الشّيعةِ، فلن يكونَ هناكَ خبرٌ متواترٌ، فإنّ أكثرَ الأمّةِ لا تعلمُ بالأحاديثِ المتواترةِ ولم يُطرَق سمعُها بأكثرِه، وذلكَ تقصيراً منها في التّفقّهِ في الدّين.    

 

النّقطةُ الثّالثة : إنّ حديثَ النّصِّ على الأئمّةِ الإثني عشرَ بأسمائهم فرداً فرداً، نستبعدُ أن تعلمَ بهِ جميعُ الشّيعةِ في عصورِ إضطهادِ أئمّةِ أهلِ البيتِ (ع)، فإنّ الشّيعةَ كانوا يعلمونَ أنَّ الإمامةَ بالنّصِّ لا بالشّورى، ويعلمونَ بإشتراطِ العصمةِ في الإمامِ، وأنّ الأئمّةَ إثنا عشر، وأنّهم مِن ذُرّيّةِ عليٍّ وفاطمة (عليهما السّلام)، وأنّ المهديَّ الذي يملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً منهُم، وكانوا يعلمونَ بإمامِ زمانِهم والأئمّةِ السّابقينَ عليه، وأمّا اللاحقينَ فيظهرُ مِن بعضِ النّصوصِ أنّ كثيراً منَ الشّيعةِ كانوا لا يعلمونَ بهم، مثلاً : الشّيعةُ الذينَ كانوا يعيشونَ في زمانِ إمامِنا الصّادق (ع) كانوا يعلمونَ بإمامةِ الإمامِ الصّادق (ع) والأئمّةِ السّابقينَ عليه، ولِذا كانَ بعضُهم يأتونَ إلى الإمام ويسألونَه عنِ الإمام مِن بعدِه، وكانَ الإمامُ ينصُّ على الإمامِ مِن بعدِه أمامَ مجموعةٍ مِن أصحابِه وثقاتِه، فإنّه إحدى طرقِ ثبوتِ إمامةِ الإمام . 

فالشّيعيُّ في تلكَ الأزمنةِ مُكلّفٌ بمعرفةِ إمامِ زمانِه والأئمّةِ السّابقينَ عليه، وأمّا الأئمّة اللّاحقونَ فإن علمَ بأسمائهم مِن طريقِ الرّوايةِ فهوَ مُكلّفٌ بهِم، وإلّا فلا .

فإن ماتَ شخصٌ في زمانِ الإمامِ الصّادقِ (ع) فهوَ مُكلّفٌ بمعرفةِ الإمامِ الصّادقِ (ع) إمامِ زمانِه ، والأئمّةِ السّابقينَ عليه إلى أميرِ المؤمنينَ (ع) ، وأمّا الأئمّة اللاحقونَ على الإمامِ الصّادقِ (ع) فهوَ غيرُ مُكلّفٍ بمعرفتِهم إن لم يصله خبرُ النّصِّ عليهم .

النّقطةُ الرّابعة : بعدَ غصبِ الخلافةِ في السّقيفةِ، ومنعِ السّلطةِ مِن تدوينِ الحديثِ، والأمرِ بالتّقليلِ منَ التّحديثِ بحديثِ رسولِ اللهِ (ص)، وموتِ كثيرٍ منَ الصّحابةِ في الفتوحاتِ، وقلّةِ الشّيعةِ وأنصارِ الحقِّ، ولا يغرّنَكَ السّنواتُ التي حكمَها أميرُ المؤمنينَ (ع)، فإنّ أغلبَهم كانوا يعتقدونَ بأنّه الخليفةُ الرّابعُ، ثمَّ خذلانُ الأمّةِ للإمامِ الحسنِ (ع)، ومِن بعدِه الإمامِ الحُسينِ (ع) وشهادتِه، وعزلِ الإمامِ زينِ العابدينَ (ع) وقطيعةِ الأمّةِ لهم خوفاً مِن بطشِ بني أميّةَ، وإنتشار بغضِ أهلِ البيتِ (ع) بينَ المُسلمينَ، خبا وخفتَ صوتُ الحقِّ، وقلّ الشّيعةُ بل كادَ أن ينعدمَ في تلكَ الأزمنةِ، وصارَ الحديثُ عَن إمامتِهم وأنّهُم منصوصٌ عليهم حديثَ الشّيعةِ الرّافضةِ، وبعدَ الإمامِ زينِ العابدينَ (ع) بدأ التّشيّعُ بالإنتشارِ شيئاً فشيئاً، وخصوصاً في زمانِ الإمامِ الصّادق عليهِ السّلام، وكثُرَ إنتشارُه في زمانِ الإمامِ الكاظمِ عليهِ السّلام، ولكن كَثُرَتِ الضّغوطاتُ عليهم مِن قبلِ السّلطاتِ العبّاسيّةِ، فصارَ الحديثُ عنِ الإمامِ اللّاحقِ يُشكّلُ تهديداً لحياتِه، وحسبُك وصيّةُ الإمامِ الصّادقِ (ع) إلى أربعةٍ، ومنهُم المنصورُ وإلى إمرأةٍ، وما كانَ فعله إلّا تغطيةً على الإمامِ اللّاحقِ وحمايتِه مِن بطشِ العباسيّينَ، ولذا كانَ تداولُ حديثِ النّصِّ على الأئمّةِ الإثني عشرَ بأسمائهم فرداً فرداً منَ الأسرارِ وكانوا يكتمونَه إلّا عَن أهلِه خوفاً على حياةِ الإمامِ اللّاحقِ، وكانَ الأئمّةُ لا يحدّثونَ بهِ إلّا الواحدَ بعدَ الواحدِ، فالظّروفُ الأمنيّةُ لم تكُن تسمحُ بنشرِه على نطاقٍ واسعٍ، وإليكَ بعضَ النّصوص : 

1- روى الصّدوقُ بإسنادِه عَن عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي نجرانَ وصفوانَ بنِ يحيى عَن إسحاقَ بنِ عمّارٍ عَن أبي عبدِ اللهِ عليه السّلام أنّهُ قالَ : يا إسحاقُ ألا أبشّرُكَ ؟ قلتُ : بلى جعلَني اللهُ فداكَ يا بنَ رسولِ الله . 

قالَ : وجَدنا صحيفةً بإملاءِ رسولِ اللهِ ( ص ) وخطِّ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلام فيها : بسم اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ هذا كتابٌ منَ اللهِ العزيزِ العليمِ وذكرَ الحديثَ مثلَه سواءٌ – يعني حديثَ اللّوحِ الذي فيهِ النّصُّ على الأئمّةِ بأسمائهم فرداً فرداً - إلّا أنّه قالَ في حديثِه في آخره : ثمَّ قالَ الصّادقُ عليه السّلام يا إسحاقُ هذا دينُ الملائكةِ والرّسلِ فصُنهُ عَن غير أهلِه يصُنكَ اللهُ تعالى ويُصلِح بالكَ ثمَّ قالَ : مَن دانَ بهذا أمنَ مِن عقابِ اللهِ عزَّ وجل . (عيونُ أخبار الرّضا : 1 / 50) . 

2- وروى الكُلينيُّ والصّدوقُ والطّوسيّ بأسانيدِهم عَن بكرٍ بنِ صالح عَن عبدِ الرّحمنِ بنِ سالم عَن أبي بصيرٍ عنِ الإمامِ الصّادقِ (ع) روى عَن أبيهِ الإمامِ الباقرِ (ع) عَن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاري حديثَ اللّوحِ، وقالَ بعدَ أن رواهُ : قالَ عبدُ الرّحمنِ بنُ سالم : قالَ أبو بصيرٍ : لو لَم تسمَع في دهرِك إلّا هذا الحديثَ لكفاكَ فصُنهُ إلّا عَن أهلِه . (الكافي : 1 / 528 ، عيونُ أخبار الرّضا : 1 / 48 – 50 ، الغيبةُ للطّوسيّ ص146) . 

3- وروى الصّدوقُ بسندِه عَن عبدِ العظيمِ بنِ عبدِ اللهِ الحسنيّ عَن عليٍّ بنِ الحسنِ بنِ زيدٍ عن الحسنِ بنِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ عليهم السّلام قالَ : حدّثني عبدُ اللهِ بن محمّدٍ بنِ جعفرٍ بنِ محمّدٍ عن أبيهِ عن جدِّه أنَّ محمّداً بنَ عليٍّ الباقرِ جمعَ ولدَه وفيهم عمُّهم زيدٌ بنُ عليٍّ عليه السّلام ثمَّ أخرجَ إليهم كتاباً بخطِ عليٍّ عليه السّلام وإملاءِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله مكتوبٌ فيه : هذا كتابٌ منَ اللهِ العزيزِ الحكيمِ حديثُ اللّوحِ إلى الموضعِ يقولُ فيه : وأولئكَ هُم المُهتدون . 

ثمَّ قالَ في آخره : قالَ عبدُ العظيمِ : العجبُ كلُّ العجبِ لمحمّدٍ بنِ جعفرٍ وخروجِه وقد سمعَ أباهُ عليه السّلام يقولُ هذا ويحكيهِ ! ثمَّ قالَ : هذا سرُّ اللهِ ودينُه ودينُ ملائكتِه فصُنهُ إلّا عَن أهلِه وأوليائِه . (عيونُ أخبار الرّضا : 1 / 51 ، كمالُ الدّينِ للصّدوق ص313) . 

 

ففي هذهِ النّصوصِ نرى أنّ أئمّةَ أهلِ البيتِ عليهم السّلام يوصونَ أصحابَهم بكتمانِ مثلِ هذهِ الأحاديثِ إلّا عَن أهلِه ، وهكذا كانَ أصحابُهم يوصونَ مَن يروونَ له ممَّن يثقونَ ويطمئنّونَ بهِ أن يصونوهُ عَن غير أهلِه .

النّقطةُ الخامسةُ : إنَّ بعضَ أعداءِ الأئمّةِ والمُخالفينَ لمنهجِهم ومذهبِهم، كانوا يعلمونَ بحديثِ النّصِّ على الإثني عشرَ خليفةً بأسمائهم فرداً فرداً، ولكِن معَ ذلكَ كتموها عنِ الأمّةِ إمّا حسداً وبُغضاً وكراهيةً، وإمّا خوفاً من تقويةِ الرّافضةِ ! ولعلّ بعضَهم كانوا يتأوّلونَ هذا الحديثَ على إمامةِ العلمِ والهُدى، لا الإمامةَ السّياسيّةَ، كما تعتقدُ بهِ بعضُ الصّوفيّةِ، فإنّهم يقولونَ بالإمامةِ الباطنيّةِ والعلميّةِ للأئمّةِ الإثني عشر، ويقولونَ بالإمامةِ السّياسيّةِ لرجالِ السّقيفةِ !! جمعاً بينَ أحاديثِ النّصِّ على الأئمّةِ، وما وقعَ في السّقيفةِ !!  

ومِن نصوصِ الكتمانِ حسداً وبُغضاً وخوفاً مِن تقويةِ الرّافضةِ ، ما رواهُ الطّبرسيُّ بالإسنادِ إلى إبنِ مثنى ، عَن أبيهِ ، عَن عائشةَ قالَ : سألتُها كَم خليفةً يكونُ لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم ؟ 

فقالت : أخبرني رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم : أنّه يكونُ بعدَه إثنا عشرَ خليفة . 

قاَل : فقلتُ لها : مَن هُم ؟ فقالَت : أسماؤهم عندي مكتوبةٌ بإملاءِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم . 

فقلتُ لها : فاعرضيهِ ، فأبَت . (إعلامُ الورى بأعلامِ الهُدى : 2 / 164) .

ولكنّها عادَت وروَتها لأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ عوفٍ بعدَ رحيلِ أميرِ المؤمنينَ (ع) نكايةً بمعاويةَ وبني أميّةَ ، كما أنّها روَت بعضَ فضائلِ أميرِ المؤمنينَ (ع) نكايةً بمعاويةَ والخطِّ الأمويّ، فاحفظ هذا .  

وما رواهُ إبنُ عيّاشٍ عَن شيخِه ثوابةَ بنِ أحمدَ الموصلي بسندِه عَن سالمٍ عَن أبيهِ عبدِ اللهِ بنِ عُمر عنِ النّبيّ (ص) حديثاً فيهِ أسماءُ الأئمّةِ الإثني عشرَ ، ثمَّ قالَ ابن عيّاش : وقد كنتُ قبلَ كتابتي هذا الحديثَ عَن ثوابةَ الموصلي رأيتُه في نسخةِ وكيعٍ بنِ الجرّاحِ التي كانَت عندَ أبي بكرٍ محمّدٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتاب ، حدّثنا بها عَن إبراهيمَ بنِ عيسى القصّارِ الكوفي ، عَن وكيعٍ بنِ الجرّاح ، رأيتُها في أصلِ كتابِه ، فسألتُه أن يحدّثني به فأبى ، وقالَ : لستُ أحدّثُ بهذا الحديثِ ! عداوةً ونصباً ، وحدّثنا بما سواهُ ، ومِن فروعِ كتابٍ أخرجَ فيه أحاديثَ وكيعٍ بنِ الجرّاحِ ، ثمَّ حدّثني بعدَ ذلكَ ثوابةَ ، وروايةُ إبنِ عتابٍ أعلى لو كانَ حدّثني . (مقتضبُ الأثر ص59) .  

ولا تنسى أنَّ وكيعاً (ت 197هج) الذي يُعدُّ مِن كبارِ عُلماءِ ومُحدّثي أبناءِ العامّةِ ، مُتّهمٌ بالتّشيّعِ والتّرفّضِ! ولا يبعدُ أن يكونَ لروايتِه أمثالُ هذهِ الأحاديث. 

قد يتعجّبُ المرءُ مِن روايةِ عبدِ اللهِ بنِ عُمر هذا الحديثَ ، ولكِن يزولُ التّعجّبُ إذا علِمنا أنّ علاقةَ عبدِ اللهِ بنِ عُمر وعائشةَ والزّبيريّينَ كانَت سيّئةً معَ الأمويّينَ والمروانيّينَ – الذين تقلّدوا الحُكمَ وجعلوها صافيةً لهم وأخرجوا بني تيمٍ وعدي والزّبير مِنها – ولِذا كانوا يروونَ هذهِ الأحاديثَ نكايةً ببني أميّةَ ، في زمانِ إستضعافِ أئمّةِ أهلِ البيتِ (ع) وكانوا لا يرجونَ رجوعَ الأمورِ إليهم !  

بينَ كتمانِ الشّيعةِ له – إلّا عَن أهلِه - تقيّةً ولأسباب أمنيّةٍ ، وبينَ كتمانِ أعدائه حسداً وبغضاً ، ومعَ ذلكَ وصلنا هذا الحديثُ مُتواتراً . 

كما هوَ الحالُ فيما يُحكى عنِ الخليلِ بنِ أحمد الفراهيديّ أو الإمامِ الشّافعيّ، حيثُ سُئلَ عَن حالِ أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السّلام)، وقيلَ لهُ : ما تقولُ في عليٍّ بنِ أبي طالب ؟ فقالَ : ما أقولُ في حقِّ إمرئٍ كتمَت فضائله أولياؤه خوفاً ، وكتمَت مناقبَه أعداؤه حسداً . ثمّ ظهرَ مِن بينِ الكتمينِ ما ملأ الخافقين . ( الرّواشحُ السّماويّةُ ص289 ، مشارقُ أنوارِ اليقينِ للبُرسي ص171) . 

 

النّقطةُ السّادسةُ : إنّ إنحرافَ الكثيرِ مِن أفرادِ الأمّةِ عَن طريقِ الحقِّ، لهُ أسبابٌ عديدةٌ، نذكرُ بعضَها : 

السّببُ الأوّلُ : الجهلُ : وهوَ مِن أعظمِ أسبابِ الإنحرافِ ، فلعلّ إنحرافَ البعضِ ممَّن ذهبَ إلى الزّيديّةِ والإسماعيليّةِ كانَ بسببِ جهلِهم بأسماءِ الأئمّةِ الإثني عشر .  

السّببُ الثّاني : حبُّ الدّنيا والطمعُ في حطامِها ومناصبِها ومغرياتِها ومشتهياتِها : فإنّها مِن أعظمِ أسبابِ الإنحرافِ عنِ الحقِّ ، كما كانَ شأنُ أهلِ الكتابِ ومُشركي مكّةَ، حيثُ أتاهُم النّبيُّ (ص) بالدّلائلِ الظّاهراتِ الباهراتِ، ومعَ ذلكَ لم يتّبعوا الحقَّ! وهكذا شأنُ الواقفةِ أمثالِ عليٍّ بنِ أبي حمزةَ البطائني وغيره الذينَ رووا في حياةِ الإمامِ الكاظم (ع) رواياتِ النّصِّ على الإمامِ الرّضا (ع)، ولكِن بعدَ وفاةِ الإمامِ الكاظم (ع) أسّسوا مذهبَ الوقفِ، وإدّعوا عدمَ وفاةِ الإمامِ الكاظم (ع)، وأنكروا إمامةَ الإمامِ الرّضا (ع)، طمعاً في الأموالِ التي كانَت مُتجمّعةً عندَهم!!  

وهكذا حصَلَ معَ بعضِ المُنتفعينَ ممَّن قالوا بمقالةِ الإسماعيليّةِ والزّيديّةِ، فإنّ زيداً الشّهيدَ وأبناءَه لم يدّعوا الإمامةَ ، بَل كانوا يعتقدونَ بإمامةِ الإمامِ الباقرِ والصّادقِ والكاظمِ عليهم السّلام، وكذلكَ إسماعيلُ بنُ الإمامِ الصّادقِ (ع)، وإبنُه محمّدٌ بنُ إسماعيلَ الذي وشى بالإمامِ الكاظمِ (ع) إلى هارونَ الرّشيدِ طمعاً بالمالِ، فإنّهما لم يدّعيا الإمامةَ، وإنّما إدُّعيَت لهُم بعدَ وفاتهم. 

السّببُ الثّالثُ : حصولُ الشّبهةِ : وهيَ منَ الأسبابِ المُنتشرةِ للإنحرافِ، فقَد ظنَّ بعضُ أصحابِ الإمامِ الصّادقِ (ع) إمامةَ إسماعيل لأنّه أكبرُ ولدِه، فلمّا توفيَ إسماعيلُ في حياةِ أبيهِ الصّادقِ (ع) زالَت الشّبهةُ، ولكِن ظهرَ القولُ بإمامةِ إسماعيلَ بعدَ سنواتٍ طويلةٍ مِن وفاةِ محمّدٍ بنِ إسماعيل.  

السّببُ الرّابعُ : العنادُ والجحودُ للحقِّ، كما يحصلُ كثيراً في أيّامِنا وحصلَ سابقاً على إمتدادِ التّاريخِ، وهيَ منَ الأسبابِ التي أشارَ إليها القرآنُ الكريمُ، { فَلَمَّا جَاءَتهُم آَيَاتُنَا مُبصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحرٌ مُبِينٌ ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاستَيقَنَتهَا أَنفُسُهُم ظُلمًا وَعُلُوًّا فَانظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفسِدِينَ [النّملُ 13-14] .

فليسَ منَ البعيدِ أن يعلمَ بعضُ أصحابِ الأئمّةِ أو بعضُ أبناءِ العامّةِ بخبرِ النّصِّ على الأئمّةِ الإثني عشرَ، ولكِن معَ ذلكَ يكتمونَ الحقيقةَ ، ويرفضونَ الخضوعَ له. 

السّببُ الخامسُ : التّأويلُ الباطلُ وحملُ النّصوصِ على خلافِ ظاهرِها، إذا لم تكُن قرينةٌ تدلُّ على صحّةِ هذا الحملِ، أو تضييقُ دائرةِ النّصوصِ، بلا دليلٍ، كما نجدُ ذلكَ في المذاهبِ المُبتدعةِ، حيثُ إنّهم يحملونَ الرّواياتِ على محاملَ بعيدةٍ، لا دليلَ ولا شاهدَ على صحّتِها، كما يقومُ بعضُ الصّوفيّةِ بحملِ رواياتِ النّصِّ على أميرِ المؤمنينَ (ع) وأهلِ البيتِ (ع) على الإمامةِ العلميّةِ والباطنيّةِ، وإمامةِ أصحابِ السّقيفةِ على الإمامةِ السّياسيّةِ!!

كما هوَ حالُ المذهبِ الزّيديِّ أيضاً عندَما تجاوزَ عددُ أئمّتِهم الإثني عشر خليفةً ، صاروا إلى تأويلِ حديثِ الإثني عشرَ خليفةً بما لا يقبله عقلٌ مُسلمٌ، لتصحيحِ مذهبِهم !! 

ويبقى حديثُ الإثنا عشرَ خليفةَ وإماماً وأميراً ونقيباً وصمةَ عارٍ على جبينِ جميعِ مذاهبِ المُسلمينَ ما عدا مذهبِ الإماميّةِ، فإنّ هذا الحديثَ لا ينطبقُ إلّا على مذهبِهم.  

 

سؤالٌ : هل يُعقلُ أن يترُكَ بعضُ الشّيعةِ الحقّ ويركبوا مذاهبَ أهلِ الباطلِ ؟!  

نقولُ : ولماذا لا يُعقلُ ذلك ؟!  

أوّلاً : إنّ كثيراً منَ الصّحابةِ تركوا ولايةَ عليٍّ بنِ أبي طالب (ع) ، معَ أنّهم سمعوا منَ النّبيّ (ص) أخبارَ النّصِّ عليهِ ، وكانوا ممَّن حضروا في غديرِ خم ، وهذا أمرٌ لا ينكرُ ، فلا يستبعدُ ما حصلَ معَ بقيّةِ الأئمّةِ (ع) ، فإنّنا لا نؤمنُ بعدالةِ جميعِ أصحابِ النّبيّ (ص) ، ولا بعدالةِ كلِّ أصحابِ الأئمّةِ (ع) . 

فكما أنّ أصحابَ النّبيّ (ص) يجوزُ عليهم الفسقُ ، وكتمانُ الحقِّ ، والميلُ إلى الدّنيا ، والإغترارُ بزخارفِها ، واللّهثُ وراءَ المُلكِ ، والجهلُ ، وحصولُ الشّبهةِ ، وجحدُ الحقيقةِ ، بل يجوزُ عليهم الكُفرُ والإرتدادُ ، والنّفاقُ ، كذلكَ يجوزُ جميعُ ذلكَ على أصحابِ الأئمّةِ (ع) ، فإنّ تلامذةَ الإمامِ جعفرٍ الصّادقِ (ع) كانوا أكثرَ مِن أربعةِ آلافِ تلميذٍ منهُم أبو حنيفةَ ومالكٌ بنُ أنس ، وخلقٌ مِن رجالِ هذهِ الأمّة .  

فكما أنّهُ جازَ على أنس بنِ مالك وغيرِه أن يمتنعوا عنِ الشّهادةِ بأنّهم سمعوا منَ النّبيّ (ص) حديثَ الغديرِ ، ويكتمونَ الحقيقةَ ، وهُم مِن أصحابِ رسولِ اللهِ (ص) ، لأسبابٍ دنيويّةٍ أو سياسيّةٍ ، كذلكَ يجوزُ على بعضِ الشّيعةِ أن يكتمَ الحقيقةَ طمعاً في الدّنيا وزخارفِها . 

وكما أنّهُ جازَ على بعضِ الصّحابةِ أن يتّبعوا السّقيفةَ ومعاويةَ ، ويجحدوا ولايةَ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ (ع) أمثالَ عمرو بنُ العاصِ وطلحةَ والزّبيرِ وسعدٍ بنِ أبي وقّاصٍ وعبدِ الرّحمنِ بنِ عوفٍ وأبي هريرةَ وغيرِهم ، وهُم يعلمونَ بالنّصِّ على أميرِ المؤمنينَ (ع) ، وأولويّته بالخلافةِ مِن غيره ، كذلكَ يجوزُ على بعضِ أصحابِ الأئمّةِ (ع) أن يعلموا بالنّصِّ على إمامةِ الباقرِ والصّادقِ أو الكاظمِ أو غيرِهم ، ومعَ ذلكَ يتّبعونَ غيرَه ويجحدون إمامةَ الإمامِ الحقِّ (ع) . 

 

ثانياً : يخبرُنا القرآنُ الكريمُ أنّ إسمَ نبيّنا محمّدٍ (ص) وصفاته مكتوبةٌ في التوراةِ والإنجيلِ ، وأنّ أهلَ الكتابِ يعرفونَ نبيّنا (ص) كما يعرفونَ أبناءَهم ، ومعَ ذلكَ لم يُؤمِن أكثرُهم بهِ وبرسالتِه ، قالَ تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإنّ فريقاً منهم ليكتمونَ الحقّ وهم يعلمون. } [البقرةُ 146] .  

 

أمّا ظهورُ مذهبِ الزّيديّةِ، فإنّ نهضةَ زيدٍ الشّهيدِ كانَت حركةً ضدَّ الظّلمِ والجور الأمويّ، ولم يدّعِ الإمامةَ الإلهيّةَ والخلافةَ الرّبّانيّةَ، فقامَ بنُصرتِه الكثيرُ منَ المُسلمينَ إبتداءً، ومَن قامَ بنُصرتِه منَ الشّيعةِ الإماميّةِ لم ينصروه بعنوانِ أنّهُ إمامٌ مُفترضُ الطّاعةِ، كيفَ؟! وبينُهم أبو حمزةَ الثمالي الذي قُتِلَ عدّةٌ مِن أبنائه في خروجِ زيدٍ الشّهيدِ وهوَ يقولُ بإمامةِ الإمامِ الصّادقِ (ع) في ذلكَ الزّمان. 

روى الكُلينيُّ في الصّحيحِ عنِ العيصِ بنِ القاسمِ عنِ الصّادقِ جعفرٍ بنِ محمّدٍ (ع) : ولا تقولوا خرجَ زيدٌ فإنَّ زيداً كانَ عالماً وكانَ صدوقاً ولم يدعُكم إلى نفسِه إنّما دعاكُم إلى الرّضا مِن آلِ محمّدٍ (عليهم السّلام) ولو ظهرَ لوفى بما دعاكُم إليهِ إنّما خرجَ إلى سلطانٍ مُجتمعٍ لينقُضَه . (الكافي للكُلينيّ : 8 / 264) . وهذا نصٌّ صريحٌ صحيحٌ أنّ زيداً لم يدّعِ الإمامة. 

وإعترفَ إبنُه يحيى بنُ زيدٍ بأنّ والدَه لم يكُن إماماً ، ولم يدّعِ الإمامةَ لنفسِه. (كفايةُ الأثر ص426) . 

وقد روى يحيى بنُ زيدٍ عَن أبيه زيدٍ خبرَ النّصِّ على الأئمّةِ الإثني عشرَ بأسمائهم تفصيلاً (كفايةُ الأثر ص422) . 

فزيدٌ الشّهيدُ وأبناؤه لم يدّعوا الإمامةَ الإلهيّةَ، وإنّما إدّعاها لهُم بعضُ النّاسِ، سواءٌ مِن أبناءِ العامّةِ، أو بعضُ الشّيعةِ السّذّجِ ممَّن ليسَ لهُم قدمٌ راسخةٌ في التّشيّعِ في معرفةِ الإمامِ وصفاتِه. 

 

وأمّا مذهبُ الإسماعيليّةِ : فقد أشرنا سابقاً إلى أنَّ بعضَ أصحابِ الإمامِ الصّادقِ (ع) كانوا يعتقدونَ بإمامةِ إسماعيلَ لأنّهُ أكبرُ ولدِ أبيهِ، فلمّا توفّيَ إسماعيلُ، زالَت الشّبهةُ وظهرَ لهُم أنّهم كانوا مُخطئينَ في إعتقادِهم، ولكنَّ مذهبَ الإسماعيليّةِ لم يظهَر في زمانِ الإمامِ الكاظمِ (ع)، وزمانِ محمّدٍ بنِ إسماعيل، فقَد ظهرَ مُتأخّراً، ولم يكُن ظهورُه في الأوساطِ الشّيعيّةِ الإماميّةِ، ولم يدّعِ إسماعيلُ الإمامةَ ولا إبنُه محمّدٌ شيئاً مِن ذلك.

ولا نستبعدُ أن تكونَ للسّلطاتِ العبّاسيّةِ يدٌ في دعمِ وتأييدِ بعضِ الأصواتِ الشّاذّةِ داخلَ المذهبِ الإماميّ، لغرضِ تضعيفِ وتفتيتِ المذهبِ، وسهولةِ السّيطرةِ عليه.  

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.