سلسلة: أخطاء في التفكير الإلحادي(1)

: علي ديلان

                                                                         (فضول الإختصاص)

في خضم الصراع الأيديولوجي، والفكري الذي يعيشه الإتجاه الإلهيّ مع الاتجاهين الإلحادي واللاأدري، قد تحدث بعض الارتباكات المنهجيّة، والمعيارية بين أطراف النزاع، وربما يصل الأمر إلى مستوى المساومات على حساب المعطى المدرسي العلمي، مما ينتج الإطاحة بموضوعية الحوار والاستخفاف بقيمة التلاقح الفكري الذي ينشده الباحث الموضوعي.

    إنّ من أبرز الحالات الّتي عبّرت عن ذلك الارتباك وتلك المساومات، والتي أصبحت -أو كادت- أن تكون ظاهرة يقودها علماء مرموقون، هي ظاهرة مصادرة حق الاختصاص، وهو حق قد مُنح علميّا لفئة كابدت عناء البحث والتحقيق في سبيل الوصول إلى قناعات مقبولة داخل دائرة المسموح ضمن نطاق المجتمع العلمي في جميع المجالات الاختصاصية للعلوم غير الزائفة، من قبيل علم النفس والاجتماع والقانون والطب والكيمياء، وما إلى ذلك... فبدلاً من احترام هذه الاختصاصات، والوقوف عند حدودها تجد هناك من يحاول أن يملي قناعاته الذاتية على الآخرين من دون أن تكون تلك القناعات واقعة في حريم اختصاصه!

    ومن هنا كانت أهمية هذه المقالة، حيث الوقوف على ما يمكن أن نطلق عليه بـ(فضول الاختصاص)، وهي ظاهرة نضعها في خانة الظواهر السلبية التي شاعت مؤخرا في بعض الأوساط العلمية، والتي من المقدّر أن تكون أكثر الفئات التزاما بحق الاختصاص، وقد نجم عن ذلك أن تداخلت الآراء وتصاعدت حدة النزاع، فحدث ما يمكن تسميته بـ(فوضى النزاع Conflict chaos) وهو نتيجة طبيعية للانتهاك المنهجي.

شرح المصطلح:

    إنّ المعنى الدقيق لظاهرة (فضول الاختصاص)، هو أن يحمل أحد المختصين في مجال معين -كالفيزياء مثلا- إرثه الاختصاصي، مبديا رأيا في نطاق وحدود اختصاص آخر كالفلسفة وموحيا بذلك أمام الرأي العام بأنّ هذا الرأي نابع من قناعة موضوعية، وهو أحد نتاجات احترافه المهني.

    قد يتفق أن يتدخل الفيلسوف التقليدي في مجال علم الفيزياء الكونية أو يتدخل -مثلا- الفيزيائي الكمومي في مجال الميتافيزيقيا، وقد حدّثنا تاريخ العلمين ولا يزال عن الخروقات المتبادلة بينهما، ودونك ما تبديه الفلسفة العقلية التقليدية المعاصرة من الحديث عن الأفلاك والكيفيات النفسانيّة -كالخوف والفرح - وعن مسائل تتعلق بطريقة الإدراك وبالإدراك نفسه، وماذا يجول في الدماغ الإنساني، بل عن طبيعة تأثر الحاسة بالمحسوس، وما إلى ذلك مما يرتبط جزما ببعض العلوم الطبيعية كالفلك، والفيزياء، والبيولوجيا، وما شاكلها. كما لا يغيب عن القارئ الكريم -وهو ما سنتطرق إليه - تلك التدخلات السافرة التي ارتكبها بعض علماء الفيزياء بحق الفلسفة والمنطق السليم وعدم ضبط الحدود العلمية المقررة لهم، ظنا منهم أنّ هذا هو مقتضى ما أفرزته التجارب العلمية ومصادم الهدرونات الكبير، فانساقوا الى اعتقادات، أقل ما يمكن أن يقال في حقها: إنّها تفوق الخيال.

    ومن الجدير بالذكر أنّ ظاهرة (فضول الاختصاص) تختلف عما اصطلحنا عليه في علم المعرفة المقارن بـ(التراكب المعلوماتي Information-Composition) في الظواهر المعقدة، حيث عنينا به أنّ بعض الموضوعات ذات التركيب المتنوع، سيّما فيما يرتبط بالظواهر الطبيعية تحتاج – إذا ما قدّر أن نخرج لها بنتيجة نهائية- إلى توظيف علوم متعددة واختصاصات مختلفة، مع الحذر والدقة في كيفية الاستفادة من كل منها، بغية الوصول إلى التزام مرض يتوافق مع التنوع المعلوماتي...، وذلك من قبيل ظاهرة الإدراك الحسي حيث يحتاج الباحث إلى فئة من المعطيات الفيزيائية التي تفسر طبيعة تأثر الحاسة بالمحسوس الخارجي، وكيفية نقله عبر النواقل العصبية إلى الدماغ، كما ويحتاج إلى معطيات بيولوجية تفسر طريقة فك شفرة المعطى الحسي داخل الدماغ، وإلى الفلسفة وعلم نظرية المعرفة حيث يتم اعطاء النظرية النهائية بعد إضافة عنصر الإدراك النفسي لجميع المعلومات التي يحصل عليها الإنسان.

    إنّ طريقة (التراكب المعلوماتي) هي الطريقة الصحيحة في استلال الرؤية الأخيرة من الظاهرة المعقدة محل البحث، ونحن نعتقد بأنّ هذه الطريقة سوف تفضي بالباحث -أحيانا- إلى اكتساب اليقين – أعلى درجة تصديقية يمكن أن يحصل عليها الانسان- خلافاً للاتجاهات الّتي استبعدت فكرة حصول اليقين، منطقيا ومعرفيا، كالمنطق (البوبري) والنزعات الاستقرائية الترجيحية. كما ونعتقد بأنها طريقة تؤمّن سيادة الاختصاص من جهة، وأنها من جهة أخرى تساهم في اقتطاف الرؤية المتكاملة بعد مراعاة التناسق بين جميع المعلومات المتنوعة في حين أنّ (فضول الاختصاص) لم يتوقَ الإخلال من كلتا الجهتين.

نماذج من فضول الاختصاص

    لقد أدركنا من البيان الموجز لشرح ظاهرة (فضول الاختصاص) مدى خطورة الانسياق وراء الظاهرة، وعدم قيمة انتهاجها في سبيل الحصول على المكتسبات الفكرية والرؤى الأيديولوجية، الأمر الذي أنتج تسويغ الانتهاكات المنهجية، وتغليب الجانب الذاتي على حساب المنهج الموضوعي، والخروج بمعطيات مؤسفة وأفكار مصادمة للذوق البشري العام.

    ونريد -هنا- أن نسلط الضوء -استيضاحا للإشكالية التي نهدف إلى تحليلها- على ما اقترفه بعض علماء الطبيعة واستغلالاً من قبلهم للمنابر العلمية -بقصد أو بدون قصد- حيث تخطوا حدودهم الاختصاصية، والمجال الذي لا ينبغي أن يقرر العلم كلمته فيما سواه، وراحوا يتحدثون عن أمور هي من شؤون الفلسفة، وتمت صياغة أطروحاتهم الذاتية بطريقة توحي للملتقي أنّها صياغة علمية ومن صميم المنهج العلمي.

    وحيث إننا لا نستطيع في هذا المقال ذكر جميع النماذج التي تندرج تحت ما أسميناه بـ (فضول الاختصاص).. فسوف نركز على بعض النماذج المهمة.

نموذج: تجربة ذات الشقين

    إنّ من تلك النماذج، هو أن يبتّ الفيزيائي الكمومي بانهيار بديهيات العقل البشري والتي تمثل الأسس الأولى لكل البناء الفوقاني للمعرفة والعلم والفكر، والمتجذرة في ذهن كل فرد من أفراد الإنسان، وأنّ التخلي عنها يعني -بكل بساطة- أنّ العقل البشري بما يحمل من مخزون معلوماتي عظيم ليس إلا ضربا من التخيل والهراء، وكل ذلك بسبب أنّ بعض التجارب الكمومية قد أوهمت الفيزيائي المؤدلج على أنّها تتناقض وتلك البديهيات العقلية. فعلى سبيل المثال أنّ التجربة المعروفة بذات الشقين التي تثبت أنّ الجسيم -كالإلكترون مثلا- يسلك سلوكا جسيمياً إذا ما مرّ من صفيحة ذات شق واحد، ويسلك سلوكاً موجياً إذا ما كان في الصفيحة شقان، فهو أمر يكتنفه الغموض، ولم يكن في أول الأمر تصور مناسب من الناحية العلمية يتمكن من خلاله العلماء تفسير علاقة الشق الواحد والشقين مع تحديد هوية الإلكترون الجسيمية أو الموجية، وبقي العلماء يتلقون هذا الواقع التجريبي كحالة حاصلة في الواقع الطبيعي لم يعرف لها تفسير محدد وصريح، إلى أن تبنى وبجدارة يؤسف لها فضول الاختصاص على يد الفيزيائي الاميركي (ريتشارد فاينمان Richard Feynman) مدّعيا أنّ الجسيم الإلكتروني يدخل من الشقين معا في آن واحد، رغم عدم انقسامه الى قسمين، بل هو بكامل وجوده يدخل من الشق الأول، وهو بكامل وجوده ايضا يدخل من الشق الثاني في آن واحد! وبهذه الطريقة من التفكير ضربت إحدى البديهيات المهمة للعقل البشري، وهي القائلة: إنّ حسّنا العام لا يتقبل أن يكون الواحد مساوياً للإثنين؛ لأنّه يعني تصديق المعادلة الرياضية القائلة: (1=2) ولا أرى القارئ العزيز سخيا في قبول هكذا أفكار.

    إنّ السبب الذي حدا بعالم فيزيائي شهير إلى أن يتبنى ما يخالف الأصول الإدراكية، إنما هي مصادرة اختصاص الفلسفة العقلية القائمة على تلك الأصول وقضايا الحس العام، والتي جزء بل من مهام عملها التحري عن الممتنع والمقبول في دائرة القناعة الذهنية، وقد حسمت الفلسفة باختلاف اتجاهاتها -عدا الاتجاهات الشكية- عدم إمكان القناعة (بمساواة الواحد للإثنين) في أي عالم مفروض، سواء كان عالمنا المسمّى بعالم الأجسام الكبيرة أو العالم ما دون الذري، والباعث على ذلك أن التصميم الذهني للإدراك البشري يصطدم مع هذه المساواة، من غير أن يكون له أي استعداد لإمكان حصول القناعة بها، مع ملاحظة أنّ افتراض إمكانية قبولها في الذهن تسويغ لإمكانية القناعة بقضايا أخرى تتناقض مع جميع البنى الأولى المعتمدة في تحليلنا وتفكيرنا، مما يكون ذلك مدعاة لزعزعة كل خطانا البحثية وانعدام التوازن الفكري.

    فعالم الفيزياء عندما يسقط تخيّله، والذي هو بطبيعة الحال ليس تصورا مدعوما من الناحية العلمية، على التجربة الخارجية، ويخرج بنتيجة مستلزمة للمحظورات أعلاه، يقع في محذور (فضول الاختصاص)، وكان الأحرى به إن لم يتمكن من تأصيل فرضية متسقة مع الأصول الإدراكية ومناهضة للخرافة العلمية أن يتوقف عن تحميل التجربة ما لم تحمله، ويكتفي بالحيرة إزاء تعقيد الطبيعة وغموضها، ولطالما -ولا يزال- العلماء الطبيعيون يتوقفون في الحالات التي لا تفصح التجربة عنها، ذلك أنّ هذا هو مقتضى ما تستوجبه المهنية والاحتراف العلمي.

    إنّ الفضول الذي ارتكبه "فاينمان" لم يحظ بقبول الرأي العام للمجتمع العلمي، وقد خالفه في ذلك بعض العلماء ومنهم الفيزيائي البريطاني (روجر بنروز Roger Penrose). بيد انّ غرابة بعض الأفكار، سيّما تلك التي تصدر من بعض العلماء مصحوبة بمسوغات زائفة علميا.. مما يوجب إلفات الذهن إليها، وتناقلها عبر وسائل إعلامية متعددة فيتم الترويج لها على أنّها حصيلة علمية، ومن غرائب حقائقه المكتشفة!

نموذج: البداية من العدم

   ومن النماذج الجريئة التي اقترفها بعض الفيزيائيين لظاهرة فضول الاختصاص، تسويق فكرة (الوجود المجاني)، أو ما قد يعبر عنه أحيانا بـ (كون بلا مقابل)، حيث تم تأطير هذه الفكرة والتأسيس لها فيزيائيا، بزعم أنّ العدم وإن لم يصلح -بحال- أن يكون مصدرا للوجود إلا أنّ هذا مما استأثر به العالم فوق الذري، وأمّا العالم الذي هو دون الذري فإنّ الأمر فيه مختلف تماما، إذ يمكن أن ينبلج الكون من العدم بصورة تلقائية، وبتعبير فلسفي: أن يكون العدم مفيضا للوجود، وقد استفيد من هذا الطرح في إلغاء ضرورة الاحتياج إلى الخالق، وأن الطبيعة الكونية ذات المرجعيات الكمومية قد وجدت من تلقاء نفسها.

    لقد ركز على هذا النموذج الفيزيائي الشهير (ستيفن هوكينج Stephen William Hawking) وكتب فيه الفيزيائي (لورانس كراوس Lawrence Krauss) كتاباً بعنوان (كون من لا شيء A Universe from Nothing) في حين لم يتدخل المجتمع العلمي المدرسي في هذا الموضوع، إدراكا منه أنّ البحث العلمي يبدأ حيث تكون المادة، وليس من شأنه البحث عن إمكانية وجود المادة من العدم، ولا من مهامه الإجابة عما هو واقع -إذا كان ثمة واقع- قبل البداية الكونية، فإنّ الذي من حقه أن يقرر الإجابة -فعلا- عن هذه الأسئلة هو الاختصاص الفلسفي، فإماّ أن يجيز ما تخيّله الفيزيائي المؤدلج، وعندئذ تتولد رؤية متكاملة إزاء بداية الكون وسنخ الطبيعة الكونية، وإمّا أن يمنع من ذلك حدّ الاستحالة. ومن سوء طالع الملاحدة أنّك لا تجد أحدا يعتقد بإمكانية صدور الاشياء من العدم، ولك أن تعمل على تصعيد الخطاب إلى المستوى الذي تتجاوز به الفلسفة إلى ما وراءها، فتدّعي أنّ هذا النوع من الفضول لم يصطدم بالفلسفة الموضوعية فحسب، وإنّما هو يناهض المبادئ العامة والأصول الإدراكية لكل خطوة يتحرك فيها الذهن من أنواع التفكير، حتّى أنّ "كراوس" في كتابه المشار إليه لم يتقبل صراحة أن يكون العدم علة ومفيضاً للكون الموجود، بيد أنّه تلاعب بحذاقة مقرفة في تفسير مفهوم (العدم) بعد أن عرض الفرق بين العدم الفلسفي والعدم الفيزيائي، وأوضح -وكان صائبا في التمييز بينهما- بأنّ العدم الفلسفي هو العدم المطلق الذي لا يحتوي على أيّ واقع وجودي والذي يمكن التعبير عنه بالعدم الصفري.

    وينص "كراوس" على امتناع أن يخرج الكون من العدم الفلسفي Philosophical Nothingness، وبالتالي فهو يعتقد بمبدأ (استحالة خروج الشيء من لا شيء)، وفي مقابله (العدم الفيزيائي Physical Nothingness) وهو في الحقيقة ليس من العدم في شيء، بل هو طبيعة وجودية خاصة، وقد يعبر عنه بالفراغ vacuum، يقول "ديفيز-جريبين": "نعود الآن إلى مفهوم الفيزيائيين للفراغ على أنّه ليس مرادفا للخواء العام"، وهو بهذا يعني أنّه ليس عدما فلسفيا، اعترافا منهما -على غرار كراوس- باستحالة خروج الأشياء من العدم الفلسفي، وهو المتوافق ايضا مع الحس العام والبداهة العقلية، ثم يكملان القول: "ان الفراغ الكمي يمكن أن يستثار إلى مستويات أعلى من الطاقة، والفراغ المستثار سيبدو كالفراغ الحقيقي بمعنى أنّه ظاهري مفرغ من الجسيمات الدائمة، بينما هو متأجج بتغيرات من الطاقة(1).

    إذا نظرت إلى تفسير هؤلاء الفيزيائيين لمفهوم (العدم Nothing) ستجد أنّ الكون والذي هو حصة من الوجود الحقيقي، لم يخرج من لا شيء وإنّما خرج من شيء، وبعبارة أخرى: (إنّ الوجود قد صدر من الوجود)، ومن ثم فأين التصادم بين المعطى العلمي والمعطى الفلسفي؟! فإنّه -ووفقا للتفسير الفيزيائي المذكور- سوف لا تنطلي على أحد، مهما كان موقعه العلمي، تلك المحاولات الجافة التي قام بها "كراوس"، جاهداً نفسه بتشكيل انطباع خاص في ذهنية القارئ المتلقي، والّتي قد بدأها بعنوان كتابه (كون من لا شيء) ومؤسساً لها في طياته، وما دونه من مقالات.

    إنّ (فضول الاختصاص) يتمثل في هذا النموذج بأكثر من مورد، فهم فضوليون عندما يتحدثون عما قبل الكون والطبيعة، فإنّ العلم يبدأ باعتراف الجميع حين تكون هناك مادة، وهم فضوليون عندما قرّروا أنّ هناك فراغا كموميا، ومنعوا السؤال عن كون طبيعته أزلية، أو هي بدورها جاءت من فراغ آخر فلسفي أو كمومي؟ يقول "هوكينج": إنّ فعل الجاذبية الكوني هو الذي خلق المادة في فضاء فارغ. ويقول الفيزيائي "بول ديفيز": "إنّ سيناريو (الوليمة المجانية) يزعم أنّ القوانين هي كل ما نحتاجه، ويمكن للكون بعدها الاعتناء بنفسه، بما يشمل خلقه أيضا. لكن ماذا عن القوانين؟ أيجب عليها أن تبقى هناك لتبدأ مع الكون بحيث يمكنها أن تخرج إلى حيز الوجود؟!"(2). وهم فضوليون -وعلى الأقل بعض منهم- حينما أُشكل عليهم عدم الفرز بين الوجود الأزلي والوجود الكوني، فتخّيلوا أنّ التوصيف بالأزلّية حالة من الممكن أن ينعت بها كل مفردة كونية، وأفرط بعضهم -على ما يبدو من بعض نصوصهم- إذ التزم بأزليّة قوانين الطبيعة دون ذات الطبيعة، والحال أنّ الذي يجب أن يحدد معقولية هذه الأفكار، أو عدم معقوليتها هو الحس العام أو الاختصاص الفلسفي.

    وقد حاول بعض الفيزيائيين من قبيل "هوكينج" في بداية كتابه (التصميم العظيم)، أن ينتزع بشكل أو بآخر لباس الاختصاص من الفلسفة، وقال: "إن الفلسفة قد ماتت" إلا أنّه قد نحى المنهج الفلسفي بعد نيف من الصفحات، يقول الفيزيائي الأميركي "ستيفن واينبرغ": "إنّ الفيزيائيين يحملون بطبيعة عملهم نوعا من الفلسفة العملية وهو لدى معظمهم شعور تقريبي جاهز بالحقيقة الواقعية، أي اعتقاد بالواقعية الموضوعية لأسس نظرياتهم العلمية"(3)، وهذا قد يلمح إلى أنّه ليس بوسع الإلحاد المختبئ تحت غطاء العلم من أن يتجرد من الفلسفة أو قضايا الحس العام.

وأخيراً ينقل عن الفيزيائي البريطاني "آرثر أدنجتون": "فكرة أنّ الطبيعة ظهرت فجأة تبدو لي محرجة". ويقول "انطونيو فلو": "إنّ ما دفعني لتغيير قناعتي جملة من المعطيات العلمية الحديثة من قبيل أنّ الكون له بداية وأنّه قد نشأ من عدم، وأنّ الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة مترابطة، وأنّ الحياة نشأت من المادة غير الحية... وعاب على العلماء الطبيعيين تدخلهم في قضايا الفلسفة من دون أن تكون لهم الخلفية المناسبة، وكما يقول "أينشتاين": "إنّ العلماء فلاسفة ضعاف"(4)

نموذج: مبدأ الارتياب

إنّ مبدأ الارتياب أو ما يسمى بمبدأ الريبة أو اللايقين، هو النموذج الاخر الذي وظّفه بعض علماء فضول الاختصاص.

    في عام 1927م وضع الفيزيائي الألماني (فيرنر هايزنبرغ) علاقة كمومية، تنص على عدم إمكان اجتماع (التأكد من موضع الجسيم الأيني و(التأكد) من كمية حركته)، فهناك علاقة عكسية بين درجة علمنا بالموضع ومقدار الحركة، فمثلا إذا ما علمنا بموضع الجسيم فسوف يؤدي هذا الى عدم إمكان تحديد حركته والعكس صحيح. وهذا بخلاف التعامل العلمي مع الفيزياء فوق الذرية، فإنّه بإمكاننا –جدا- وفق الفيزياء المتعارفة أن نتأكد من تحديد كمية الحركة الجسمية مع اليقين بتعيين موضعه. 

   لقد اعتبر بعض الفيزيائيين هذا المبدأ مصادما لقضايا الحس العام، وذلك بملاحظة استيجابه حين اليقين بكمية الحركة –مثلا- عدم ثبوت مكان الجسيم واقعا، بمعنى أنّ الجسيم في هذه الحال سوف لا يمكن تشخيصه في مكان محدد. 

    وقد تُلقي هذا الطرح على أنهّ هو المقصود من ( مبدأ هايزنبرغ الريبي) في حين أنّ الاعتبار العلمي والفلسفي والبديهي يقضي بخلاف ذلك تماما، أمّا الاعتباران الفلسفي والبديهي فواضح، وامّا الاعتبار العلمي، فلأنه ليس المقصود من هذا المبدأ هو عدم التعين الواقعي -كما فهمه بعض-، وإنّما هو عدم التعين في ذهننا وعلمنا . يقول (جون جريبين) : " اننّا نستطيع أن نرى الأشياء عندما ننظر إليها، وهو الأمر الذي يتضمن ارتداد فوتونات الضوء منها إلى أعيننا، والفوتون لا يؤثر كثيرا على شيء مثل البيت، ولذا لن نتوقع أنّ البيت سيتأثر كثيرا عندما ننظر إليه ولكن أمر الإلكترون يختلف كثيرا، فبداية وحيث إنّ الإلكترون صغير جدا، فلا بد أن نستخدم طاقة كهرومغناطيسية ذات طول موجة متغير حتى يمكن رؤيته على الإطلاق بمساعدة أجهزة القياس وأشعة الطاقة هذه طاقاتها كبيرة، وأي فوتونات لأشعة جاما ترتد عن الإلكترون –ويمكن التعرف عليها بأجهزة القياس- ستغير بطريقة درامية موقع وكمية حركة الإلكترون إذا كان الإلكترون في ذرة ما"(5) ، ثم أنّ نفس المؤسس لهذا المبدأ يقرر المعنى الذي ذكرناه، قال:" تصير قاعدة عدم اليقين إلى درجة عدم التعيين في المعرفة المتاحة حاليا للقيم المتزامنة للكميات العديدة التي عالج بها نظرية الكم، أنّها لا تنحصر على سبيل المثال في دقة تعيين المكان وحده أو في قياس السرعة وحدها. لذا افترض أنّ سرعة إلكترون حر تكون معروفة بدقة، بينما المكان غير معروف مطلقا، عندئذ تنص القاعدة على أنّ كل ملاحظة تالية للمكان ستغير العزم بكمية غير معروفة وغير معينة بحيث إنّه بعد إجراء التجربة فإنّ معرفتنا بالحركة الإلكترونية تكون مقيدة بعلاقة عدم اليقين"(6).

في الحقيقة، إنّ فضول الاختصاص هو الذي رسم في أذهان بعض العلماء التناقض بين ما هو فيزيائي أو علمي، وما هو فلسفي أو بديهي.

    وبعد، فهناك نماذج كثيرة لظاهرة (فضول الاختصاص)، ولسنا فعلا بصدد استيعابها جميعا، بقدر ما نريد استيضاح الخلل المنهجي الذي وقع فيه علماء مختصون في مجال معين، حيث تجاوزوا مجال اختصاصهم باسم العلم والعلماء، فإنّ هذا بالإضافة الى كونه أمرا معيبا منهجيا، قد أدى الى نتائج مؤسفة على المستوى المعرفي والمنطقي والايديولوجي، فكان التنكر لفكرة متجذرة في وجودنا كفكرة الإله أمرا طبيعيا، في مصاف التنكر للأصول الادراكية العامة.

فنخلص في نهاية هذه المقالة الى نتائج في غاية الأهمية والخطورة، وهي:  

1- إنّ التخصص في بعض المجالات، رغم أنّه مما توافق البشر والمجتمع العقلائي على تقديره والحث عليه، إلا أنّه لا يبرر البتة التدخل في اختصاصات الآخرين، والتحدث بلسانهم أو بلسان الحاضرة العلمية.

2- إنّ فضول الاختصاص تمثّل ظاهرة مرضية، غالبا ما يقتادها السطحيون، بيد أنّها قد تفشت بشكل ملحوظ بين فئة من علماء الإلحاد سيما الفيزيائيين الكموميين، فنتج عن ذلك ضرب أصول الادراك البشري دونما مبرر سوى عدم وضوح التفسير المناسب لسلوك الجسيمات الكمومية.

3- إنّ الالحاد الذي نجم جرّاء ظاهرة فضول الاختصاص، بذريعة سقوط حسّنا العام المعتمد في مبرهنات فكرة وجود الله تعالى، ينبغي أن يصنف تحت قائمة الأفكار الزائفة. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بول ديفيز وجون جريبين: اسطورة المادة؛ صورة المادة في الفيزياء الحديثة، ترجمة: م. علي يوسف علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص124.

(2) ديفيز، بول: الله والفيزياء الحديثة، ترجمة: هالة العوري، ط1، دار صفحات للنشر والتوزيع، دمشق، 2013، ص254

(3) واينبرغ، ستيفن: أحلام الفيزيائيين، ترجمة: أدهم السمان، ط2، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، 2006، ص135

(4 شريف، عمرو: رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، ط4، القاهرة، 2011، ص75-76.) 

(5) جريبين، جون: البحث عن قطة شرودنجر، ترجمة: أ.د. فتح الله محمد إبراهيم الشيخ وأ.د.أحمد عبد العزيز، ط2، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2010،ص178

(6) هايزنبرغ، فيرنر: المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم، ترجمة: أ.د. محمد صبري عبد المطلب و أ.د. انتصارات محمد حسن الشبكي، ط2، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2011، ص27.